فاطمة لوتاه: الصحراء.. صمت أسعى إليه


 الفنانة الإماراتية تستعد لمعرض عن بغداد في فيرونا الإيطالية

fatma-lootah
تاريخ النشر: الخميس 13 مايو 2010
محمد بابا

في مدينة فيرونا الإيطالية الجميلة، حيث المتاحف وروائع تنميقات الفن القوطي تزركش واجهات المباني، حيث السواقي ونوافير الماء تبعث بخريرها بين تماثيل الرخام   البيضاء الناصعة في الساحات، وحيث أسراب الحمام تشكل لوحات جمال راقصة فوق أسطح القرميد الأحمر تعيش الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه

منذ خمس وعشرين سنة.

فيرونا هي مدينة روميو وجوليت التي نسجا فيها روائع حكايا العشق في التاريخ الإنساني تتكرر فيها الآن قصة حب جديدة، ملحمة عشق أخرى هذه المرة بين هذه الفنانة والفن، ولا تجد فاطمة تبريراً لإقامتها الطويلة هذه أكثر من عشقها له.

في وسط تلك المدينة الهادئة التي تقع في الشمال الإيطالي يوجد مشغلها أو صومعتها الفنية كما يحلو لها أن تسميه، ومع أنها تسكن في ضواحي المدينة فهي تحرص في كل صباح أن تكون في محرابها للاطمئنان على سلامة الألوان وأن الحياة مازالت بخير.

لم تكن في بداياتها تظن أنه ستسير بهذا المنحى كما تقول، مع أنها كانت تحب الفن منذ البداية، ومن المستحيل أن تنسى وهي في سن الحادية عشر من العمر كلمات مدرستها للرسم المؤنبة في المدرسة المتوسطة عندما عرضت عليها رسوماتها، وهي تجزم الآن بأن ذلك الشك هو الذي جعلها تصر في كل هذه السنين لعلها “تعني مدرسة الرسم” أن تغير فكرتها.
درست فاطمة لوتاه الفنون الجميلة في بغداد قبل ثلاثة عقود، وعن هذه المرحلة وعن بغداد تقول: بغداد كانت المكان الذي فجر العشق بيني وبين الفن، بيني وبين اللون وخطوط القلم الأسود، فيها انفجر الحب، أما في الولايات المتحدة التي ذهبت إليها بعد فترة الدراسة في بغداد بدأت التعرف إليه “الفن” بصورة أعمق.. وتواصل حكيها العاشق عنه فتقول: في إيطاليا بدأت طريق الاحتراف فكان عطري رائحة اللون، وكحلي من الفحم، هنا بدأ التداخل ولم يعد باستطاعتي التخلي عنه لحظة واحدة، فأصبح تنفسي فناً وتفكيري فناً، أصبحت أنا هو وهو أنا.

ورغم أن فترة الدراسة في بغداد، تقول، كانت قصيرة ولكنها كانت بالنسبة لها مركزة ومكثفة في خيالها وصداها، فكانت محظوظة بتلقي الدراسة على يد أحسن الفنانين العراقيين وعلى رأسهم الفنان التشكيلي العراقي فائق حسن، والذين علموها كيف تمسك الأدوات وكيف تتعامل معها، وعن هذه المرحلة تقول إنها هي التي تلقت فيها “المهنة” إن كانت تستطيع أن تسميتها بذلك، وفي قلبها مازالت تتردد كلمة “شكراً” لكل من التقت بهم في ممرات الأكاديمية وفي قاعاتها.

السنوات الأكثر نضجاً وعطاء بالنسبة لفاطمة هي سنوات المهجر في أوروبا، وفي إيطاليا بالتحديد، حيث منبع النهضة الفنية ومحج الفنانين الكبار، عن سنواتها وعن هذه التجربة تقول إنها استطاعت التعرف إلى نفسها، كما استطاعت اكتشاف دواخلها من خلال الفن، فالفن كان وسيلة لدخول أعماقها لاكتشاف حقائق غائبة عن عينها ولكنها ليست غائبة عن القلب، “ومن خلال هذه الاكتشافات بدأ فني يعبر عما يراه قلبي، ولذلك كانت قراءة اللوحات حتى لو كانت ذات سمات شرقية كما يصنف البعض فقد استطاع الآخرون أن يتعمقوا جيداً في ذلك القلب الذي خطها”.

مرسمها الذي يشكل عشقها وحياتها، حيث تنهمك مع الأصباغ والفرش، والدهانات وقطع القماش الملونة، وحيث المكان يشي بحميمية صاحبه معه ويفضح أسرار التعلق والحب الذي يجمعه به ترى فيه فاطمة متسعاً آخر للإفصاح والبوح ومناجاة الروح من جهة، ومن جهة أخرى تود أن يكون مرسمها في فيرونا جسراً يجمع بين العالمين العربي والأوروبي، ليحدث اللقاء بين “اللونين”، وبين الرؤيتين المختلفتين للأشياء.

وهي تبذل قصارى جهدها في سبيل ذلك لخلق هذا التبادل بين الفضاءين، وتقول إن مرسمها مفتوح لكل الفنانين من الوطن العربي خاصة من الإمارات لعرض لوحاتهم في هذا المكان، حيث تتوافر قاعة عرض ملحقة بالمشغل. وعن النشاطات التي تعكف عليها حالياً في ورشتها الفنية تقول فاطمة لوتاه إن مرسمها سيحتضن في شهر يونيو المقبل معرضاً فنياً عن بغداد، يشارك فيه ثلاثة فنانين عرب يعيشون في أوروبا من ضمنهم هي.

وهي تحضر الآن لهذا المعرض، وتقول إن الدعوة مفتوحة لكل الفنانين للمشاركة فيه، وتعكف على إنجاز مجموعة لوحات خاصة بهذه التظاهرة الفنية، لكنها لم تقتنع بعد بمستوى العنف فيها، وقد انتهت من ثلاث لوحات من الحجم الكبير، تمتد اللوحة الأولى منها على مترين في متر ونصف، والثانية على مترين في متر، والثالثة متر ونصف في متر، وهي لوحات مرسومة على “كانفاه”، وهو ما ترسم عليه فاطمة في الكثير من الأحيان، وتزاوج بين أكثر من نمط في تشكيلها في محاولات جريئة تخرق بها المتداول والمألوف وتقدم فيها تصوراتها للأشياء. في الثمانينيات قدمت عدة عروض فنية مباشرة كالمسرح، وشاركت في عدة مهرجانات دولية لكنها لم تلبث أن عادت لحبيبها الأول وهو الفن التشكيلي، ومعه تمارس فنوناً أخرى، لكنها لا ترى فيها أكثر من لعبة مسلية كتصميم الأحجار والمجوهرات، وكانت تجربتها الأولى في ذلك بعد عودتها الأولى للوطن بعد غياب طويل، وتنظيمها لمعرض السلام في أبوظبي، وقد تضمن هذا المعرض ثلاثة أجنحة أحدها لتصميماتها في هذا المجال، والثاني للوحاتها في فن التجريد، والثالث لرسوماتها في فن البروتريه.

ولا تكتفي فاطمة في تكسير منظومات المتداول، حيث تعتمد آليات عرض غير تقليدية وتخالف ماهو سائد، يتمثل في عدم اتباعها أحجام اللوحات العادية، وتغييرها حتى لطبيعة العرض، حيث تقدم بعضها مفروشة على الأرض كسجادات، مما يمثل زاوية مغايرة للنظر للمشاهد، الذي تقول إنه المهم أن يستطيع الدخول لهذا الفضاء وفهم مضامينه مهما تعدد الرؤى والزوايا.

فاطمة توظف الحرف العربي أيضاً في لوحاتها وتزاوج بينه وبين الشعر، وتردد أن الشعر رسم ناطق والرسم هو الشعر صامت، فهي ترى أن الحرف في لوحاتها مرسوم رغم أنه غير مكتوب في تصورها.

وقد استخدمت هذه التجربة مرة واحدة في معرضها “غزل”، وهو الجزء الثاني من المعرض الأول “صحراء وأهل الرمال الحمراء”، وكانت تحاول كما تقول أن ترقص مع الكلمة باللون، عسى أن يشاركها المشاهد هذا “الفالس” وهذه الرقصة عديدة الألوان.

ومع أن البعض يراها تميل للتجريد في لوحاتها، بينما يصنفها البعض الآخر بمتخصصة في فن البروتريه، فهي لاترى نفسها فنانة في ذلك أو ذاك، لأن مهمتها وعملها كما تقول هي المحاولة الدؤوبة في جعل المشاهد يدخل في ذلك العالم بكل تفاصيله واكتشاف جمالياته، محاولة جعله أن يعبر إلى العالم الذي دخلت هي فيه لأنه عالم لنوره جمال ولجماله نور، “فأنا أؤمن بما أفعل ولعل الله سبحانه وتعالى يثيبني على ذلك”.

لا تكتفي فاطمة لوتاه بذلك فحسب فهي في معارضها الفنية تمنح المشاهدين والنقاد على حد سواء حرية تسمية لوحاتها، فالرسم بالنسبة لها ليس له حدود، وتتمنى ألا يكون هناك حدود لأعمالها أيضاً، فكل ماتريد هو أن تصنع من تلك الألوان انفجاراً في ضوء الشمس يخلق آلاف قوس قزح في كل بقاع الأرض، وبين تلك الألوان كلمات حب وسلام تبعثها لكل العالم.

حين فاجأتُ فاطمة بالسؤال عن الغربة وهل تحس بها قالت: إن الروح لا أرض لها ولا مكان فهي تنتمي للحبيب والحبيب هو في كل مكان، والحبيب بكل عمق الكلمة يشمل كل شيء من الفن إلى البيت إلى الوطن. وعن كلمة الشمس وماذا تعني لها قالت إنها هي النور الذي يوقدها أما الصحراء فهي الصمت الذي تسعى إليه.

وحين سألتها عن الساحة الفنية والتشكيلية في الإمارات ورأيها فيها وعن مستقبلها، ونواقصها مقارنة بمستوى الفن في أوروبا تمنت فاطمة لوتاه أن تردم الفجوة بين الأجيال، أي بين الفنانين القدامى والفنانين من الجيل الجديد، فالجيل الجديد حصر نفسه في “اعتقاد الوصول”، ويمكن ألا تكون هذه الفجوة غلطة القديم، لأن الأجيال الجديدة يجب أن تستفيد من خبرات من سبقها، لأن أكبر مشكلة سيواجهونها حين يرون أنهم بغنى عن الآخر، “وأنا بتصوري إذا لم تكن لك قاعدة فمن الصعب أن يكون لك امتداد، الذي هو حياة للفن واستمرارية له”.

وعن تمثل التجربة الفنية والتراكم التاريخي للفنون في أوروبا على مستوى العالم العربي، تقول “إننا هناك لا ينقصنا إلا التواضع، لأن الإنسان دون تواضع لا يمكن أن يصل أو يؤسس لتراكمات حضارية حالية، والتي هي في العادة صدى لفترات أقدم، فالفن وسيلة إلى الجمال والسمو ومن المفروض أن تنسجم الروح العامة مع استخدام أدواته”.

نالت الفنانة التشكيلية الإماراتية المقيمة في إيطاليا فاطمة لوتاه اهتمام الكثير من الصحف العالمية، وقد صنفتها صحف أوروبية من ضمن الفنانين القلائل في المهجر الذين يعيشون الفن كفن ويمنحونه جل حياتهم لدرجة تقترب من البوهيمية، من ضمن تلك الصحف صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية، والتي وصف صحفيها الفرنسي آنتوني باباليا هذه الفنانة في مقالة له عنها بأنها حالة فلسفية وفنية مغايرة تفرض وضعاً للتأمل لأنها ترش اللون في لوحاتها بمسافات واعية وبخطوط جريئة تحمل عمق رؤى الصحراء وسحر الشرق.